محمد بن جرير الطبري
53
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
ويقال لمن زعم أن الذي حصره عدو ، إذا حل من إحرامه التطوع فلا قضاء عليه ، وأن المحصر بالعلل عليه القضاء : ما العلة التي أوجبت على أحدهما القضاء ، وأسقطت عن الآخر ، وكلاهما قد حل من إحرام كان عليه إتمامه لولا العلة العائقة ؟ فإن قال : لأن الآية إنما نزلت في الذي حصره العدو ، فلا يجوز لنا نقل حكمها إلى غير ما نزلت فيه قيل له : قد دفعك عن ذلك جماعة من أهل العلم ، غير أنا نسلم لك ما قلت في ذلك ، فهلا كان حكم المنع بالمرض والإحصار له حكم المنع بالعدو ، إذ هما متفقان في المنع من الوصول إلى البيت وإتمام عمل إحرامهما ، وإن اختلفت أسباب منعهما ، فكان أحدهما ممنوعا بعلة في بدنه ، والآخر بمنع مانع ؟ ثم يسأل الفرق بين ذلك من أصل أو قياس ، فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله . * * * وأما الذين قالوا : لا إحصار في العمرة ، فإنه يقال لهم : قد علمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صد عن البيت ، وهو محرم بالعمرة ، فحل من إحرامه ؟ فما برهانكم على عدم الإحصار فيها ؟ أو رأيتم إن قال قائل : لا إحصار في حج ، وإنما فيه فوت ، وعلى الفائت الحج المقام على إحرامه حتى يطوف بالبيت ، ويسعى بين الصفا والمروة ، لأنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سن في الإحصار في الحج سنة ؟ فقد قال ذلك جماعة من أئمة الدين . فأما العمرة فإن النبي صلى الله عليه وسلم سن فيها ما سن ، وأنزل الله تبارك وتعالى في حكمها ما بيّن من الإحلال والقضاء الذي فعله صلى الله عليه وسلم ، ففيها الإحصار دون الحج هل بينها وبينه فرق ؟ ثم يعكس عليه القول في ذلك ، فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله . * * *